ابن ميثم البحراني
300
شرح نهج البلاغة
بِمَا لَا تَعْرِفُونَ - فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ - واعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وهُوَ أَنَا - أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الأَكْبَرِ - وأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأَصْغَرَ - قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الإِيمَانِ - ووَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ والْحَرَامِ - وأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي - وفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وفِعْلِي - وأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي - فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لَا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ - ولَا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ أقول : تؤفكون : تصرفون . والتيه : الضلال . والعمة : الحيرة والتردّد . وعترة الرجل : أقاربه من ولده وولد ولده وأداني بنى عمّه . والهيم : الإبل العطاش . وأعلم أنّه لمّا قدّم المتّقين بصفاتهم والفاسقين بصفاتهم كان في ذكرهما تنبيه على وصفى طريقي الحقّ والباطل ولوازمهما فلذلك أعقبهما بالتنبيه على كونهم في صلال وتيه وعمى عن الحقّ ثمّ بالتخويف والتبكيت والتذكير بكتاب اللَّه وعترة رسوله ليلزموا سمتهم ويسلكوا بهم طريق أهل التقوى ويفيئوا عن ضلالهم إلى اقتباس أنوار الحقّ من أهله . فقوله : فأين تذهبون . إلى قوله : منصوبة . سؤال عمّا يذهبون إليه وعن وقت صرفهم عن ذلك الغيّ سؤالا على سبيل الإنكار لما هم عليه من الطريق الجائرة ، والواو في قوله : والأعلام . للحال . وإشارة بالأعلام إلى أئمّة الدين ، ووضوحها ظهورها بينهم . وكذلك المنار ، ونصبها قيام الأئمّة بينهم ووجودهم فيهم ، ثمّ أردف ما أنكره من ذهابهم وتعجّب منه بتفسيره فقال : فأين يتاه بكم وكيف تعمهون ، ونبّه به إلى أنّ الذهاب الَّذي سئلهم عنه هو تيه في الضلال وحيرة الجهل والتردّد في الغيّ ، وتبيّن منه أنّ قوله : وأنّى تؤفكون : أي متى تصرفون عن تيهكم وذهابكم في الضلالة .